الذي لا تعرفه عن فلاسفة ومفكري قرطاج القديمة.. ولماذا لا تعرف ذلك..

بقلم: كريم مختار ، مقال في تاريخ قرطاج القديم المنسي وتأثير ذلك على وضعها الحالي

من أسباب فشل المنظومة التعليمية في إنشاء أجيال وحكومات تحترم هذا الوطن كما يجب وتكن له ولشعبه الولاء اللازم هو عدم تطرقها إلى تاريخ قرطاج بشكل كاف وفرضها على التلاميذ دراسة تاريخ مفكري وفلاسفة فرنسا، الشرق الأوسط، أمريكا، اليابان، تركيا، روما، اليونان، وغيرها... في حين تكاد تلك البرامج تعمل جاهدا على إخفاء أو طمس أو تقزيم أو شيطنة تاريخ هذه الدولة أو الأرض أو الحضارة التي ولدنا منها والتي تعود بالأساس إلى دولة وأرض وحضارة قرطاج. 
على سبيل المثال، كلكم تعرفون أفلاطون وأرسطو و"فلاسفة التنوير" بأوروبا والفارابي من تركمانستان، وغيرهم من الفلاسفة القدماء الأجانب... ولكن كم من تونسي يعرف أن قرطاج القديمة كانت تضم أفضل فلاسفة التاريخ القديم وأن من هؤلاء الفلاسفة من كان لفكره الفضل في تطور فلسفة اليونان وروما وبلاد الفرس والشرق الأوسط برمته وذلك مئات السنين قبل ولادة المسيح؟ وأكثر من ذلك، كم من تونسي يمكنه حقا تسمية فيلسوف قرطاجي واحد؟ أكيد أن هذا شيء نادر جدا... أفليس من المخجل أن يعرف الشخص العلماء الأجانب فيما يجهل علماء وطنه تماما؟ ناهيك وأن كلامنا هذا لا يقتصر على الشباب والمواطنين العاديين فحسب بل مقصود به أيضا أساتذة الفلسفة التونسيين أنفسهم وأساتذة التاريخ التونسيين أنفسهم.
قرطاج، يا سادتي، لم تكن قوة عسكرية وسياسية فحسب، قرطاج كانت تضم أكبر المفكرين في العالم وذلك الفكر هو ما جعلها قوة تجارية وعسكرية وهو ما أدام رخائها وحضارتها.. ونريد اليوم أن نذكر لكم أحد هؤلاء المفكرين: الفيلسوف القرطاجي صدربعل (ليس شقيق حنبعل طبعا - اسم صدربعل كان شائعا جدا في ذلك الزمان)، وهو فيلسوف ومفكر فذ ولد سنة 187 ق.م ومات سنة 110 ق.م بقرطاج ثم سافر في سن الأربعين إلى اليونان بطلب من اليونانيين ليعلمهم طرق التفكير والفلسفة وكان قد عمل أستاذا لفلسفة وفنون المنطق والرياضيات لسنوات عديدة وترأس الأكاديمية الثالثة لأثينا وهو، في ذلك الوقت، اعظم منصب علمي يمكن لأحد تقلده في العالم بأسره. صدربعل كان معروفا في كافة أنحاء اليونان وروما وشعوب المتوسط آنذاك وكان أستاذا ومعلما للآلاف من الطلبة والفلاسفة الإغريق وغيرهم من الوافدين إلى اليونان.. إضافة إلى ذلك، كتب الفيلسوف صدربعل أكثر من أربعمائة كتاب كامل لم يصلنا منهم كتاب واحد ولم تتمتع تونس، بلده، بالحديث عنه لأبنائها بل وللعالم وذلك لتقصير من "أهل الاختصاص" ربما الذين لم يحركوا ساكنا لإستخدام مثل تلك الأيقونات القديمة للتعريف بهذا الوطن وعظمته كما تفعل جل شعوب العالم الأخرى. 
الأسوأ من ذلك كله، هو أن فلاسفة وعلماء قرطاج القديمة، وهم كثيرون جدا، كانوا قد كتبوا آلاف مؤلفة من الكتب والمجلدات في شتى العلوم وكانت روما، خاصة، قد سرقت منها ما سرقت (باعترافها نعرف أنها سرقت مجلدات ماغون الثمانية والعشرون لعلم الزراعة مثلا، وهي المجلدات التي علمت أوروبا فنون الفلاحة وعلومها - كما أنها سرقت كتبا أخرى كثيرة غيرت عناوينها ووترجمتها وأعادت نشرها ناسبة إياها إلى كتاب وعلماء روما) وحرقت منها ما حرقت سنة 146 ق.م. بعد سقوط قرطاج إثر الانقلاب السياسي والعسكري الذي حصل آنذاك.
خلاصة الموضوع هو أن ثقافة وحضارة قرطاج هي الأكثر طمسا عبر التاريخ، وهي الثقافة والحضارة التي أرادت روما واليونان خاصة (وروما بالدرجة الأولى طبعا) وغيرهما أن لا يتذكرها أحد.. خاصة من الأجيال اللاحقة من سكان قرطاج... لأن تذكرها، نعم مجرد تذكرها، كان (وربما لا زال) يمثل خطرا كبيرا على مزيفي التاريخ وعملائهم. أما النبش في تاريخ قرطاج فهو بمثابة التهديد المباشر بإسقاط صروح ذهنية زائفة وهمية وإسقاط أنظمة عالمية بنيت على الأكاذيب وشتى أنواع الخداع الذهني...
وللحديث بقية...

4233 Views